فاعتبروا يا أولي الأبصار

1

لما سئلت السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عن أعجب ما رأته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، بكت ثم قالت: (كان كل أمره عجباً، أتاني في ليلتي التي يكون فيها عندي، فاضطجع بجنبي حتى مس جلدي جلده، ثم قال: يا عائشة ألا تأذنين لي أن أتعبد ربي عز وجل؟ فقلت: يا رسول الله، والله إني لأحب قربك وأحب هواك- أي وأحب ما يسرك مما تهواه- قالت: فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ، ولم يكثر صب الماء، ثم قام يصلي ويتهجد، فبكى في صلاته حتى بلّ لحيته، ثم سجد فبكى حتى بلّ الأرض، ثم اضطجع على جنبه فبكى، حتى إذا أتى بلال يؤذنه بصلاة الفجر، رآه يبكي فقال: يا رسول الله، ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال له: ويحك يا بلال، وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل الله عليّ في هذه الليلة هذه الآيات: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب…)، فقرأها إلى آخر السورة، ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها).

التفكر من أعظم العبادات؛ كما قال عمر بن عبد العزيز: “التفكر في نعم الله عز وجل من أعظم العبادة”. قال الحسن: “تفكر ساعة خير من قيام ليلة.” وذلك أن التفكر طريق الاعتبار.

وقد امتدح الله المعتبرين فقال بعد أن ذكر نهاية قوم لوط: (فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ. إن في ذلك لآيات للمتوسمين). والمتوسمون: هم المعتبرون الذين يأخذون العبرة وينتفعون بها.

ما هي العبرة؟ وما أنواعها

العبرة لغة: الدرس والعظة، واصطلاحا: أحداث ووقائع تجري بأمر الله. وهي شاهد على صدق سنن الله التي بنى عليها الكون وسيره بها. وهي من أعظم مقاصد قصص القرآن الكريم: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ، وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ).

وينبغي أن تعلم أنه لا ينتفع بالعبرة إلا العقلاء.. أصحاب النظر الكريم، والرأي السديد، والعقل الرشيد. من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ومن كان في قلبه خشية من العزيز الحميد. وصنفان من الناس لا ينتفعون بالعبرة أبدا: المتكبرون والمعطلون.

فالمتكبر يرى الكل حقيرا إذا قاسه بنفسه، فهو أعلى من أن يعتبر بحدث أو يهزه موقف.. وهؤلاء محرومون من الفهم، مصروفون عن الحق مخذولون عن التوفيق.

والمعطلون لأسماعهم وأبصارهم وعقولهم، فهم كالحيوان لا يعتبر بالحدث الذي يجري أمامه.. يرى الخطر بعينه والناس هلكى ثم يعود بعد ذلك فيفعل الفعل نفسه.

العبرة في بيان قدرة الحق سبحانه

وأعظم ما يكون ذلك بالنظر في مصنوعات الله والتفكر في مخلوقاته.. فالصنعة تدل على الصانع، ودقة الخلق تدل على عظمة الخالق.. ورب العزة سبحانه يدعونا لنتأمل في خلقنا، وفي خلق السماوات والأرض، وخلق النبات، والبحار، والحيوان. قال تعالى: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون)، وقال: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب).

يقول بعض العلماء: “إن الغذاء إذا طبخ في المعدة انصرف كل شيء إلى سبيله، فينصرف الدم إلى العروق واللبن إلى الضرع، والبول إلى المثانة، والروث إلى الأمعاء ثم المخرج، فلا يمتزج شيء منها بغيره، بل ولا يأخذ واحد منها من الآخر رائحة أو تشوبه منه شائبة؛ فتبارك الله أحسن الخالقين”،

الاعتبار بهلاك الظلمة والطغاة

اعلم أن للكرسي شهوة هي أشد من شهوة المال والنساء والولد، والحاكم إن لم يكن عنده من الدين ما يحفظ له توازنه وعقله أصيب بجنون العظمة حتى يرى نفسه فوق مستوى البشر، فربما قال: (أنا ربكم الأعلى) كما قال فرعون، أو كما قال النمرود: (أنا أحيي وأميت).

فتأمل في عاقبتهم واعتبر.. أما فرعون فأغرقه الله في اليم، وجعل من جثته وجيفته آية وعظة وعبرة لكل الطغاة بعده: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً). فما أعظمها من عبرة ولكن أين من يعتبر؟

وأما النمرود فكما يقول ابن كثير: “سلّط الله عليه بعوضة دخلت في أنفه وصعدت إلى دماغه؛ فكان لا يستريح حتى يضرب رأسه في الحيطان أو يضربه خدمه ومن حوله بالنعال”.

الاعتبار بزوال الأمم

من سنن الله في كونه أن أحوال الناس معلقة بإيمانهم، فإذا غيّروا غيّر الله عليهم. فإن هم آمنوا بالله أنزل لهم المطر وأنبت لهم الزرع وأحفل لهم الضرع، أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف.

فإذا غيّروا وعصوا وظلموا وكفروا نعمته، أهلكهم بذنوبهم وظلمهم.. فأمسك عنهم القطر، وأبدلهم بعد الأمن خوفا، وبدّل الرزق جوعا، وبدّل النعمة نقمة: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ).

العبرة بمن استطال على الناس بجاهه وماله

بعض الذين فاجأتهم النعمة نظروا إلى البشر نظرة ازدراء واحتقار، وظنوا أنهم فوق بقية الناس اعتزازا بأموالهم أو بقومياتهم.. وهؤلاء ضرب الله لهم مثلا بقارون: (كان من قوم موسى فبغى عليهم وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْن إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ. وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ، وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ).

فكيف كانت العاقبة؟ (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ).

ذكروا أن سائلا طرق باب رجل غني وزوجته، فأرادت الزوجة أن تعطيه شيئا فأبى الغني وقام إلى السائل فطرده شر طردة. وتجري الأيام ومعها سنن الله، وإذا بالغني يفتقر، ولشدة فقره يطلق زوجته، وتتزوج زوجا غيره، ويتحول غني الأمس فقير اليوم إلى سائل يطرق على الناس بيوتهم..

طرق يوما بابا فإذا به باب زوجته القديمة وزوجها الجديد، ويأمرها زوجها أن تعطي السائل فعادت وهي تبكي. قال ما يبكيك؟ قالت تدري من السائل؟ إنه زوجي الأول. قال: وتعلمين من أنا؟ أنا السائل الأول.

أن العاقبة لمن اتقى وصبر

فهذا يوسف عليه السلام حسده أخوته وهموا بقتله، ويرمونه في الجب، وتمضي الأيام ويمكن الله له في الأرض، بل ويأتيه أخوته أذلة صاغرين، (قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ، قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي، قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا، إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).

“التفكر في نعم الله عز وجل من أعظم العبادة”، و “تفكر ساعة خير من قيام ليلة”