دعوة الى الفشل

1

يتساءل بعض القراء ـ ربما ـ عما إذا كان للفشل متعة ما، يمكن أن نلتمسها ونطلبها حيث كانت؟ الرائي المتمحص، يرى في الفشل متعة ليست بأقل قدراً من متعة النجاح، إذ إن الفشل ما هو إلا خطوة في درب النجاح، ومن لم يعرف الفشل لن يتعرف على النجاح.

ثم ما هو الفشل؟

الفشل ما هو إلا عثرة، ولا يستطيع الطفل النهوض والمشي دون سيلٍ من العثرات، ولم نسمع أن أحداً لم يمشِ بسبب تعثره طفلاً.

ولنا أن نتخذ من أنفسنا مثالاً حياً، الطفل يمتلك بالفطرة قوةً هائلةً من العزم والهمة العالية أكبر من كثيرٍ من الرجال، فإذا كنا نتمتع بهذه القوة وهذا التحدي وهذه الهمة ونحن أطفال فلما نتخلى عنها حينما تكبر في أعيننا الأمنيات، يأسرنا الفشل، نغرق في بحره، لا نستطيع فكاكاً من ربقته.

متعة الفشل

هل تعلم أنه “بتقبلك الفشل” تستطيع أن تتمتع بكل لحظة فشلت بها؟ لم نقل “بقبولك الفشل”، لا.. فنحن لا نقبل الفشل، بل نتقبله خطوةً على سبيل تجاوزه، الفشل فاكهة النجاح.

هل بالتعثر تقفل الدنيا شوارعها؟

هل تغلق الأبواب؟

هل تمنع الفجر البلوج وتقطع الأسباب؟

هل إن فشلتم مرةً حل الظلام أمامكم واظلمت الدنيا وصار نهاركم ليلاً وغم على العقول حجاب؟

أخذ أحمد بالبكاء، أحاطت به سلاسل من القنوط، وغمت عليه غشاوات الهموم عندما لم يستطع أن يتحصل على ما تحصل عليه زملاءه من ظفر بتخرجهم من إحدى الكليات، تخلف عنهم وهم الذين رافقوه طيلة مسيرة العلم والتحصيل، فأمام أحمد طريقان:

الأول أن يستسلم لحالة الوهن النفسي، ويتملكه الشعور بالذنب والإخفاق، فلا يستطيع إلى تجاوز محنته سبيلاً.

الثاني أن ينفض عن نفسه ما اعتراه، ويتطلع إلى الآتي.

الزمن الذي على أحمد أن يعوضه ليس بالقليل، فهو ثلاثة سنوات دراسية.

في بادئ الأمر اختار الطريق الأول، وتعامل مع فشله كأنه القدر الذي لا انفكاك منه، فتفاقم الأمر وزاد البون بينه وبين زملائه.

ثم غيّر توجهه، استفاد من فشله، ابتسم وعالج المشكلة بتروٍ وهدوءٍ، وضع جدولاً لحل مشكلته بعد تجزئتها، حقق أول نجاحٍ، عوض بعض الوقت، ازداد حماساً، فلوّن هذا النجاح وجعله أكثر رونقاً.

أصبح يتلذذ بحل مشاكله، ويتمتع بقلب الفشل نجاحاً. زاد تفوقه في المواد الدراسية، إذ زاد معدل نجاحه إلى أن تعدى معدل نجاح زملائه في نفس المواد. تخرج أحمد بمعدلٍ عالٍ، فكان من هيئة أعضاء التدريس أن يرشحوه ليكون معيداً بالكلية.

فكانت هذه أكبر قفزة له، إذ بها عوّض الفاقد من الزمن، واجتاز زملاءه بسنة دراسية، فأكمل دراساته العليا، وها هو يحاضر في نفس الكلية بعد أن شكر الفشل الذي تعرض له، وكم كان الفشل لذيذاً وخاصةً الفشل المبكر. لأنه يتيح فرصة النجاح المبكر.

الخطأ يدل على أن المرء خطا خطوة إلى الصواب، والفشل يدل على أن المرء خطا خطوة نحو النجاح. والذي لم يخطئ فإنه لم يخط بخطوات نحو الصواب. والأمر نفسه، فالذي لم يفشل فإنه لم يقم بأي خطوة إلى النجاح

الفشل جناح النجاح

إن النجاح يظل حالة من الرضى يصل إليها المرء بعد جهدٍ وبعد تخطي عوائق الفشل، فلن تصل إلى النجاح ما لم تأخذ الفشل طريقاً إلى ذاك النجاح. يقول ونستون تشرشل: “النجاح هو القدرة على الانتقال من فشل إلى فشل دون أن تفقد حماسك”.

غير أن “الفشل” غير “الفاشل”، فنحن نتقبل الفشل ولا نرضى أن نكون فاشلين. نفشل فنتخذ من فشلنا جناحاً للنجاح، ولا نوصف بالفاشلين.

فما الفرق بين الفاشل والناجح؟

إذا فكر كل من الناجح والفاشل في مشكلةٍ ما، فإن الناجح يفكر في الحل والفاشل يفكر في المشكلة. لذا فإن الناجح لا تنضب أفكاره، والفاشل لا تنضب أعذاره، فيبرر لنفسه الخطأ ولا يشغل فكره بطرح الأفكار، مما يبرز المعادلة التالية، وهي أن:

الناجح يساعد الآخرين، والفاشل يتوقع المساعدة من الآخرين.

الناجح يرى حلا في كل مشكلة، والفاشل يرى مشكلة في كل حل.

الناجح يقول: الحل صعب لكنه ممكن، والفاشل يقول: الحل ممكن ولكنه صعب.

يعد الناجح الإنجاز التزاما يلبيه، والفاشل لا يرى في الإنجاز أكثر من وعد يعطيه.

الناجح لديه أحلاما يحققها، والفاشل لديه أوهام يلاحقها.

الناجح يرى في العمل أمل، والفاشل يرى في العمل ألم.

ينظر الناجح إلى المستقبل ويتطلع لما هو ممكن، وينظر الفاشل إلى الماضي ويتطلع لما هو مستحيل.

الناجح يناقش بقوة وبلغة لطيفة، والفاشل يناقش بضعف وبلغة فظة.

ومن أكثر ما يميز الناجح عن الفاشل هو أن الناجح يصنع الأحداث، والفاشل تصنعه الأحداث، فيظل الناجح متمسكاً بالقيم والمبادئ، ويتنازل عن الصغائر، والفاشل يتشبث بالصغائر ويتنازل عن القيم والمبادئ.

يستمد الناجحون تفوقهم من مراحل الفشل التي مروا بها. فلو قرأنا قصص الناجحين في أي مجال من مجالات الحياة والابداع، سنكتشف أمراً غريباً، وهو أنه يكاد يكون لزاماً أن أي شخص مبدع، ناجح، متفوق، متألق، مخترع، سياسي، عالم، في أي مجال نجده، قد مرّ بسلسلة من الفشل في بداية مشواره، لكنه لم يقف عند المرة الأولى أو الألف، بل أكمل محاولاته ومشواره الإبداعي، أو النضالي، أو السياسي، أو التجاري، أو العلمي، أو أي أمرٍ كان، وصولاً إلى هدفه المرجو، وغايته القصوى، وأمله المنشود، ومكانته المرموقة، واكتشافه الرائع.

الخطأ يدل على أن المرء خطا خطوة إلى الصواب، والفشل يدل على أن المرء خطا خطوة نحو النجاح