إنّك تمر أحيانا بأحد الشوارع فيبتسم لك كثير من الأشخاص وأنت تتعجب، هل أعرفهم أم يعرفونني؟ وقد تخجل أيضا منهم فتبتسم ابتسامة عريضة يتملكها الكثير من التساؤلات، منذ متى التقيت بهم يا ترى؟!

ويزيد تعجبك هذا من يوم حافل بالمسرات والإيجابيات، إذ أنّ رئيسك في العمل مبتهج معك ويعطيك إجازة ليوم كامل، أو ربّما تتجول في أحد الأسواق فيلتفت لك ذلك البقال الذي طالما كان غليظ الطبع، طويل اللسان، سيئ المزاج، ها هو اليوم يدعوك وهو مبتهج كثيرا للشراء من عنده بكل لباقة واحترام.

تعود للبيت لتناول وجبة الغداء وفكرك مشحون بالتساؤلات، وأثناء ذلك تستقبلك زوجتك وأولادك بفرح شديد، وكأنّك عدت من سفر بعيد، وأنت لم تغب عن البيت سوى ساعتين لا أكثر.

إنّك لازلت تتساءل هل اليوم عيد، ما الذي أصابهم، الكل يرحب بي، ما الذي حصل، هل أنا أحلم؟! أو ربّما بدأت تظهر عليّ أعراض النسيان المبكّر، لا بدّ لي من إجراء بعض الفحوصات المستعجلة حتى استعيد نشاط ذاكرتي من جديد.

تمهّل! إلى أين أنت ذاهب؟! لا داع للذهاب إلى أي مكان.

سأطرح عليك بعض الاسئلة، وما عليك إلّا الاجابة عليها، لأنّ الاجابة عن حيرتك وفضولك سيكون بين يديك وفي غضون لحظات فقط.

حسنا! ماذا فعلت في الأيام الأخيرة ما الذي تجدد عندك يا ترى؟

في الحقيقة لم يتجدد شيء!

هل أنت متأكد! حاول أن تدقّق في بعض التفاصيل الصغيرة ربّما نسيت شيئا ما؟!

أه تذكرت! لقد التقيت بأحد الأصدقاء، بالكاد تعرّفت عليه، لم أره منذ سنين مضت، لو لم يناد عليّ لما عرفته.

عجيب! لِمَ لم تتعرف عليه؟

طبعا هذا من هيئته، لقد تغيّر عما سبق، آخر مرة رأيته كان حزينا جدا ومرهقا إرهاقا شديدا، لأنّ ظروفه تعيسة جدا، فهو يتيم ومسؤول بعد وفاة والده عن أمه وإخوته، فلا أحلام ولا مستقبل للأسف، لكنّه حقا صدمني كثيرا إلى ما آل إليه منذ آخر مرة التقينا!

لقد أثرت فضولي، ما الذي فعله حتى أصبح في هذا المستوى، أهي معجزة إلهية أم مكيدة من مكائد الشيطان، جعلته يتعدى الحدود الدينية والشرعية للحصول على حياة كريمة.

لحسن حظه! هي حقا معجزة إلاهية.

كيف ذلك، أخبرني؟

حسنا سأروي لك قصة هذا الشاب باختصار.

هو شاب في الخامس والثلاثين من عمره، آخر مرة كنا معا كان في العشرين فقط، لا أنكر أنّه شاب لطالما كان حسن الخلق، طيب القلب، شديد الحرص على أداء الفرائض، كثير الصمت، كثير التفكير والتدبر.

وحتى مع ظروفه التعيسة كان كثير الشكر كثير الحمد والذكر لله.

كانت هوايته المفضلة هي القراءة، كان لا يترك كتابا إلّا أتمّ قراءته، حتى أنّني ذات مرة قلت له بدل أن تضيّع حياتك في القراءة، لما لا تتعلم أي حرفة ربما تكون لك سندا يوما ما.

لكنّه هز رأسه وقال مبتسما، ألا تراني أتعلم حرفة، وصمت وأكمل القراءة بصوت بالكاد يسمع.

هذا ما كان عليه في السابق، وشاءت الاقدار أن افترقنا. وذهب كل واحد منا في طريقه؛ للغوص في أعماق الحياة المختلفة.

أكملت أنا دراستي وتحصلت على وظيفة، لكنّه لم يكمل دراسته على الرغم من حصوله على شهادة البكالوريا للأسف، وهذا لا لشيء، فقط أراد أن يكون بطلا في قصة حياته، أراد أن يكون عظيما في نظر والدته، التي طالما رأت صورة والده المتوفي في طموحه ورغبته الشديدة في تغيير واقع حياته المرير.

لقد اختار صديقي البسيط في بدايته أن يكون مجرد فلاح يزرع ويحصد ويبيع المحاصيل، ويتكفل بثمنها بأسرته الصغيرة، فعمل ليلا ونهارا وأخذت المحاصيل تزداد كل سنة، إلى أن حقق من خلالها الكثير، إذ صار لديه بدل الأرض أراض شاسعة وواسعة، ولم يقتصر على هذا فحسب، بل اتجه عمله في عدة اتجاهات إذ صار يربي الدجاج وينتج البيض، ويربي الأبقار وينتج الحليب، ويربي المواشي وينتج اللحم، حقا يا له من انجاز عظيم.

أتعرف إلى أين وصل؟ لقد صار لديه معملا لإنتاج العجائن والمواد الغذائية المختلفة، حتى أنّه دعاني لحضور لافتتاح هذا المعمل وطلب أن أشاركه فرحة نجاحه، وأخبرني أيضا أنّه بإمكاني العمل معه إذا أردت، وفي الحقيقة فرحت كثيرا، فلربّما أحقق أحلامي أنا الآخر.

ومن يومها قررت أن أكون مثله، وأطبق منهجه في الحياة.

عفوا! قلت منهجه، هل لك أن تخربني عن أي منهج بالضبط أخبرك؟ على ما يبدو لي أنّ هناك بعض التفاصيل المهمة، ربّما كانت الحافز الأساسي لنجاحه هذا.

أنت على حق، فلقد أخبرني أنّه منذ ذلك اليوم المشؤوم، يوم وفاة والده، قرّر أن يعيش كل لحظة في حياته لنفسه ولعائلته، فلا مكان للحزن في قلبه ولا عقله، فشعر حينها بطاقة عظيمة توقد بداخله فأخذ يفكر ويخطط في محيطه، فعرف أنّ الأرض التي خلق منها، هي ملاذه الوحيد للفرار من غدر الزمن وغدر البشر.

حقا الحزن سبب للتعاسة والدمار، حسنا أكمل من فضلك!

أكيد! سوف أكمل يقول:

  • رميت الهموم والأحزان خلفي، وصرت أعيش حياة ملؤها السعادة والسعادة فقط، فأنا أدركت أنني أملك كنزا ولا أعلم، فأنا أملك عقلا وفكرا وعلما.
  • صرت لا أترك فريضة ولا نافلة ولا ذكرا إلا أديته على أكمل وجه.
  • أقرأ مصحفي كل يوم ولو صفحتين – أتصدق ولو بدينار كل يوم.
  • أنام شاكرا حامدا وذاكرا لله وأنا متفائل وفي قلبي إرادة قوية للتغيير.
  • أعمل بحب وإتقان، فصار عملي سهلا.
  • في أوقات فراغي أشحن عقلي بكتاب قيم، أغذي به بصيرتي وأرفع به فكري لأرتقي بنفسي.

وفي الحقيقة بدأت أحس بتغيير في حياتي، صارت أيامي أعيادا وأفراحا، كسبت محبة الناس، ومحبة الناس من محبة الله، وصار الخير يقذف إليّ من كل جانب يوما بعد يوم.

وصرت أنام نوما هنيئا وأنا الآن أعيش عيشة راضية.

حقا يا له من شاب عظيم، أدركت حينها أنّه من رضى الله عنه، رضى هو عن نفسه وأحسّ بطعم الحياة بعد أن كانت كلها مرارة وأحزان.

حسنا هل عرفت سبب تغيرك، ألم أقل أنّك ستجيب عن نفسك بنفسك، إذ صار لديك قوة ودوافع هزمت تلك الأحزان، فصارت لديك طاقة ايجابية للتغيير، ويوما ما ستصبح عظيما كصديقك ذاك، أليس صحيحا!

بإذن الله تعالى سأكون مثله، وسأكون مثلا لغيري، وبهذا ستكون هناك حلقة وصل متتالية بين كل نجاح ونجاح، فبداية أي نجاح هزيمة تلك الهزيمة هي من تجعلنا نتلذذ طعم النجاح.

دعيني أخبرك أنّه بعد أن حقق نجاحه، أكمل دراسته وتحصل على شهادته في ميدان الاقتصاد.

هذا جيد! أتعرف أن صديقك نجح لأنّ مخططه في الحياة ارتكز على مراحل وهي كالتالي:

  • عدم التركيز على الأحزان والظروف القاسية، إذ أنّه شغل نفسه بالذكر والتأمل في نعم الله تعالى، فلم يترك للشيطان مدخلا في قلبه.
  • تغذية العقل وتطويره جيدا بالمطالعة، وهذا أكسبه قوة عقلية فائقة.
  • تقديم الأولويات وترتيبها جيدا منذ البداية، إذ ترك الدراسة وضحى ونال خير الجزاء لأنّه وثق بالله (أنا عند ظن عبدي بي)، وبعد أن حقق الهدف الرئيسي عاد لتحقيق أهدافه الثانوية.
  • طور عمله فتعددت مكاسبه بتعدد أفكاره، فالفكرة تولد أفكارا، حيث أنّه عمل فلاحا يزرع ويحصد ويصنِّع مختلف المواد، فانتقل بذلك من فلاح بسيط إلى تاجر كبير إلى شركة معروفة، فيا له من عبقري.

إذا نلاحظ أن التعاسة والحزن والاستسلام للظروف القاسية والبكاء عليها لم يكونوا ليصنعوا كل هذا، أليس هذا صحيحا!

بالطبع! أكيد.

كما يمكنني أن أخبرك أيضا، أن الحزن إذا تجذر في القلب أفسده، وإذا تجمع في الفكر ضيعه، وإذا نمى في الجسم أمرضه، فلا تترك للحزن في نفسك مكانا، وتذكر قول ابن القيم رحمة الله عليه: (الحزن يضعف القلب، ويُوهنُ العزم ويضرّ الارادة، ولا شيء أحبُّ إلى الشيطان من حزن المؤمن).

ازرع أملا واحصد عملا، هذه سنة الحياة، فالعقل يفرض على الجسم ما تمليه عليه أنت.

إذا كنت تريد النجاح، فلا تجعل من نفسك حزينا ولا ضعيفا ولا كسولا، فإن كان هناك سلطان عليك فلا سلطان غير سلطان الله، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، كن واثقا من ذلك فاحتسب أمرك لله وعش حياتك للفلاح.

هذا المقال بقلم حكيمة منصور، عضو وكاتبة مساهمة في فريق دار النجاح.

الأحزان لن تصنع لك الأحلام، والبكاء لن يصنع لك الأفراح، فإن كنت تريد الفلاح عليك بالانشراح.

3 تعليقات
  1. غير معروف يقول

    صراحة مقال من أروع ما يكون. يبدو أنك كاتبة محترفة رغم اني لم اسمع بك من قبل!

  2. غير معروف يقول

    مقال اكثر من رائع واسلوبك في الكتابة ممتع وجيد لقد استمتعت بقراءته

  3. توكلنا على الله يقول

    و انا اقرا المقال شعرت بطاقة كبيرة و بسعادة وكانني صاحب القصة، حقا الحزن يدمر حياتنا يوما بعد يوم، فذا اردنا النجاح علينا ان نفكر فيه فقط وننسى همومنا لانها سبب في تعاستنا.

    شكرا لكم على هذا المقال الجميل مزيدا من التالق و النجاح.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

فرصتك لامتلاك مدونة احترافية وجاهزة للعمل لتبدأ تجارتك الالكترونية المربحة في وقت قياسي!أطلب موقعك الآن!

حمّل مجانا كتاب "كـلمة السـر" واحصل حالا على قسيمة تخفيض بقيمة 2000 دج!

اشترك في مجلتنا البريدية لتكون أول من يصله جديدنا ويستفيد من عروضنا الخاصة!

شكرا على الاشتراك! لقد تم ارسال رابط تحميل الكتاب الى بريدك الالكتروني.