الدنيا ساعة.. فاجعلها طاعة!

0

الحياة الدنيا- كما نعلم- إنما هي مرحلة من مراحل وجود هذا الإنسان، وهي- بلا شك- لا تُقارَن في طولها بما في الحياة الأبدية، حياة الخلود، التي سيعيشها الإنسان يوم القيامة، سواء كانت في جنة عرضها السموات والأرض وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذُّ الأعين، أو كانت في نار تلَظَّى لا يصلاها إلا الأشقى.

ولقد أشار سبحانه إلى هذه الحقيقة في عدة آيات في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: ﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (المؤمنون: 112 – 114).  ويقول- عزَّ وجلَّ- في آية أخرى: ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ (النازعـات: 46).

وإذا علمنا أن معظم الناس اليوم يعيشون أقل من مائة عام، وإذا علمنا أيضًا أن عمر هذه الحياة الدنيا- كما يُقدِّره العلماء- هو حوالي خمسة مليارات سنة، إذا علمنا كل ذلك عرفنا أن عمر الإنسان في هذه الحياة الدنيا يساوي حوالي جزء واحد فقط من خمسين مليون جزء من عمر الحياة الدنيا، فكيف بمقدار ما يساويه عمر الإنسان مقارنة بطول حياة الخلود اللا منتهية؟

الحياة قصيرة ولا تستحق كل ذلك الاهتمام

ولقد عبَّر الرسول الكريم- عليه أفضل الصلاة والسلام- عن هذه الحقيقة بتصويرٍ عجيب، قال فيه: (( إنما مَثَلِي وَمَثَلُ الدنيا كَمَثَلِ رَاكِبٍ قَالَ (أي نام وقت القيلولة) فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا )).  لقد صوَّر الرسول- صلى الله عليه وآله وسلم- في هذا الحديث طول حياة الإنسان في هذه الحياة الدنيا بمثل الفترة التي يستريح فيها المسافر تحت ظلِّ شجرة في رحلة طويلة له، وهي- بلا شك- ضئيلة جدًّا مقارنة بطول الرحلة نفسها.

فالمدة التي يمكثها المسافر تحت ظلِّ الشجرة لا تساوي إلا مقدارًا ضئيلًا مقارنة بالمدة التي يحتاجها لقطع رحلة سفره.  وهذا التصوير من قِبَل رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- لا يعطينا مؤشرًا بقِصَر مدة هذا الحياة مقارنة بالحياة الأبدية في الدار الآخرة فحسب، وإنما يعطينا مؤشرًا حول تفاهة هذه الحياة وحقارتها، وأن على الإنسان ألَّا يعيرها اهتمامًا بالغًا إلا بالمقدار الذي يحتاجه للبقاء فيها.

فالمسافر الذي يشرع في رحلة طويلة، ويضع لها برنامجًا خاصًّا، فإنه- في الغالب- لن يهتم كثيرًا في ذاك البرنامج بالفترات القصيرة التي يقضيها وهو يستريح من عناء السفر أو للتزوُّد بالوقود والطعام؛ فهي فترات قصيرة لا تستوعب من الأحداث ذات الشأن ما يمكن أن يوضع في الاعتبار عند التخطيط للرحلة الطويلة.

وعادة ما يكون الإنسان في تلك الوقفات القصيرة في خوفٍ من أن يطول به المكث فيتأخر عن سفره الطويل، ولذلك تجده لا يشتغل في تلك اللحظات إلا بما يعينه على مواصلة سفره.  ويكون هذا حاله حتى وإن كثرت فترات الاستراحة في تلك الرحلة؛ فلا تعدو كل واحدة منها عن كونها مرحلة قصيرة لإراحة الجسم واستجمام النفس.

أما عندما ينزل المرء في مكان ما، ويقوم بالتجوُّل فيه، والتمتع بما يحويه من مناظر خلابة، فلا شك أن مثل تلك الأمور ستُشغِله عن مواصلة رحلته، وربما تؤخره عن تحقيق أهدافه، وأيضًا قد تؤثر عليه سلبًا فيخلد إلى الدَّعَة والراحة وطيب العيش فلا يبرح مكانه، وهذا يعني أن رحلته ستنتهي هناك، وستكون تلك الملذات المؤقتة سببًا في فشله في تحقيق أهدافه النبيلة التي يرجوها من رحلته الطويلة.  ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ (الأنفال: 28).

إن على الإنسان أن يكون على وعيٍ تامٍّ بمقدار الزمن الذي سيقضيه في هذه الحياة الدنيا، وأنه لن يكون إلا بمثابة الاستراحة القصيرة التي يقضيها في السفر الطويل.  ولذا، فليس من المعقول ولا المنطقي أن يُعِدَّ الإنسان لهذه الحياة الخطط للبقاء والمكث والتشييد، والله- سبحانه- يبيِّن لنا حقيقتها بقوله: ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴾ (الكهف: 45).

وحديث رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- الذي يذكرنا بقوله: (( كَمَثَلِ رَاكِبٍ قَالَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا ))، فالظل هنا هو تمثيل لملذات هذه الحياة؛ فالإنسان بطبيعته مفطورٌ على التفاعل مع ما يجري حوله من أحداث، وما يشدُّ حواسه من ملذات وجوانب جمالية.

ورغم أن الله- سبحانه- قد ذكَّر عباده بما امتنَّ به عليهم من نِعَم، إلا أنه أيضًا قد عاب على مَن يغرَق في هذه النِّعم، وتكون سببًا في نسيانه لخالقه.  يقول سبحانه: ﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾ (الأعراف: 51).  إذًا، فليس من العيب أن يركن الإنسان قليلًا إلى هذه الملذات، وإنما العيب أن يمكث فيها مُكثًا طويلًا يُنسيه الهدف الأسمى الذي خلقه الله من أجله.

وقول الرسول- عليه أفضل الصلاة والسلام-: (( ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا ))، أي بادر إلى تركها، فهنا عملية مبادرة إلى ترك تلك الملذات عندما يحصل الإنسان منها على ما يريد تحقيقه من هدف النزول في تلك الاستراحة، وهو تفريج الهمِّ وقضاء المآرب الوقتية من مأكل ومشرب وقضاء للحاجة، وهذا ينافي اهتمام الإنسان بالتشييد والتخطيط للأمد البعيد، وكأنه سيبقى في ذلك المكان مدة طويلة.

الدنيا مزرعة للآخرة

كل ما ذكرناه من كراهة أن يشتغل الإنسان وهو في رحلته الطويلة الشاقة بالتخطيط التفصيلي للاستراحات الوقتية القصيرة التي هو بحاجة إليها فقط ليتزوَّد إلى المراحل التالية من رحلته، كل ذلك لا ينافي أن يخطط الإنسان للرحلة الطويلة نفسها: من أين يبدأ؟  وما هي الأماكن التي سيزورها؟  وكم يتوقع أن يمكث في كل واحد من هذه الأمكنة؟  وماذا عليه أن يأخذ في هذه الرحلة؟  وكيف يستطيع أن يدبر زاده فيها؟  وكيف يمكنه أن يحصل على مزيد من المؤن في رحلته؟  وماذا لو واجهته عقبات في طريقه؟  هذه هي الخطط التي عليه أن يضعها لرحلته الطويلة.

بالطبع قد يتعرض الإنسان أثناء تخطيطه للرحلة الطويلة لفترات الاستراحة، من حيث المدة التي سيمكثها في كلٍّ منها، والأعمال التي سيقوم بها حال نزوله فيها.  لكن كل ذلك لن يكون إلا بمثابة أهدافٍ قصيرة الأمد يمكنه تحقيقها في المدة الزمنية المتوقع مكثها في كل استراحة.

وإذا كنا نقارن تلك الاستراحات بالحياة الدنيا، فهذا يعني أن على الإنسان أن يضع خطة للحياة الدنيا وما يريد أن ينجزه فيها، ولكن مع اعتبار أنها فقط مرحلة قصيرة من مراحل رحلته الطويلة إلى الدار الآخرة.

وإذًا، فليست الخطة التي ينبغي أن يضعها المرء للحياة الدنيا هي للتلذُّذ بمتاعها، وجني أموالها، وتشييد الدور والقصور فيها، وإنما هي فقط باعتبارها فترة تزوُّد للدار الآخرة.  أما أن يشتغل الإنسان بوضع الخطط لما يمكن أن يفعله ويحققه في هذه الحياة الدنيا باعتبار أن نهاية حياته هي بانقضاء الحياة الدنيا، فهذا من غير المعقول.

فالعاقل يقول أن على الإنسان أن يضع لنفسه خطة، ولكن يجب أن تكون هذه الخطة تستهدف الحياة الآخرة، كأن يكون من ضمن خطته حصوله على قصرٍ عظيم في جنة الفردوس، ويصف ذلك القصر وما يتبعه من حدائق، ويتخيَّل ما يريده من علاقات: مَن يريد أن يكون معه من أزواجه وأهله وغيرهم من الناس؟  وما هي الروابط التي يتصوَّر أن تربطه بهم هناك؟  ثم بعد ذلك يضع في خطته كيفية تحقيق تلك الأهداف.

هنا سيكون المحور لتخطيطه هو الحياة الآخرة وليست الحياة الدنيا، وستكون الحياة الدنيا بمثابة المزرعة التي يزرع فيها ما يريد أن يحصُدَه في الدار الآخرة، وإلى مثل هذا يوحي قوله سبحانه: ﴿ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ (التوبة: 38).

إذًا، الحياة الدنيا هي فترة قصيرة جدًّا مقارنة بالآخرة، ولذا يجب أن لا تحظى باهتمام المرء بنسبة أكبر من نسبة البقاء فيها مقارنة بالبقاء الأبدي في الدار الآخرة.

الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر

وفي سياق تفقيه الرسول الأعظم- عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم- لأمته بحقيقة هذه الحياة ومقارنتها بالدار الآخرة، يخبرنا الحبيب المصطفى- صلى الله عليه وآله وسلم- بأن (( الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَةُ الْكَافِرِ )).  هذا يعني أن الإنسان في حياته الدنيا قد تضيق به السبل، وقد تعتريه الصعوبات، وهذا أمرٌ طبيعي لمن كان مُجِدًّا في سفره، حريصًا على زرع ما يريد أن يحصده في آخرته، ولذلك تراه دومًا في شقاء وعناء.

أما الكافر فإنه لا يفكر في الدار الآخرة، ولذلك فالحياة الدنيا بالنسبة إليه هي أيضًا مزرعة، ولكن على اعتبار أن ثمارها سيجنيها في هذه الحياة الدنيا، ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ ﴾ (محمد: 12).

يبين الحديث السابق أيضًا أمرًا بالغ الأهمية؛ وهو أن الإنسان قد يحصل في هذه الحياة على ملذات عظيمة جدًّا، وهو ما تحقق لكثير من الصالحين، فقد سخرَّ الله للنبي سليمان- عليه السلام- الجن والإنس والطير والحيوانات والريح وغيرها، وكان بإمكانه أن يتلذذ في هذه الحياة بما يشاء، لكنه آثر الآخرة الباقية على الدنيا الفانية، فقال: ﴿ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾ (النمل: 40).

كذلك، فقد أخبرنا سبحانه عن قصة ذي القرنين الذي ملك الأرض من مشرقها إلى مغربها، فلم يغرُّه مُلكُه ولم تُطغِه قوته، وإنما جعلها مطية للآخرة، فقال: ﴿ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً ﴾ (الكهف: 98).

وقد أخبرنا- سبحانه- بأن ما يحصل عليه الإنسان في هذه الحياة لا يساوي شيئًا مع ما سيحصل عليه في الآخرة، فالجنة في نعيمها تفوق بأضعاف ما في هذه الدنيا بأكملها.  ولذلك، فوصفُ الدنيا بأنها (( سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَةُ الْكَافِرِ )) يوحي بأن المؤمن عندما يرى نعيم الجنة فلن يكون لما حصل عليه في الدنيا أي اعتبار.

وأما بالنسبة للكافر فإنه وإن عاش في هذه الدنيا في شقاء وضنك ولم ينعم بشيءٍ من ملذاتها، غير أنه عندما ينتقل إلى الدار الآخرة ويرى ما أعدَّه الله له من أصناف العذاب، فإنه- بلا شك- ستكون الدنيا بالنسبة له بمثابة الجنة.  إذًا، فالمقارنة هنا هي باعتبار الدار الآخرة وليس الحياة الدنيا.

وكل هذا يرجعنا مرة أخرى إلى الحديث السابق الذي ذكرناه حول اعتبار الحياة الدنيا مجرد استراحة قصيرة في رحلة البقاء؛ فالإنسان عادة ما يتخيَّر المكان المريح والممتع لاستراحته ليتسنى له أن يريح نفسه من عناء السفر قليلًا، ولذلك فالحياة الدنيا قد تكون أيضًا ذات شأن في ملذاتها وبهارجها، ولكنها مع ذلك لا تساوي شيئًا مقابل ما سيحصل عليه الإنسان عندما يصل إلى غايته ومناه في الدار الآخرة، والتي هي جنة المأوى.

لماذا التهافت على الدنيا الحقيرة ؟

عندما يتبيَّن الشخص ما سقناه من حقارة الحياة الدنيا وتفاهتها مقارنة بما أعدَّه رب العزة- جلَّ وعلا- للمؤمنين، يتبادر في ذهن المؤمن التساؤل التالي: إذا كان الناس يعلمون أن الحياة بهذه الحقارة والتفاهة، فلماذا يتهافتون عليها؟

وليست الإجابة على مثل هذا التساؤل بتلك البساطة؛ حيث أن غالبية الناس- في حقيقة الأمر- لا يدركون بأن هذه الحياة الدنيا تافهة وحقيرة؛ فهم من ناحية لم يَرَوْا الجنة، وإنما وُصِفت لهم.  وبالمقابل، فقد رأوا الدنيا، ورأوا أن فيها بعض الملذات، وتذوَّقوا بعضًا منها.

وحيث إن الدار الآخرة أمرٌ مستقبلي لا يدري الإنسان متى سيُقبِل عليها، فإن من طبيعة الإنسان العجلة، كما قال- سبحانه-: ﴿ وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولاً ﴾ (الإسراء: 11)، إذ أنه ما تسنح له فرصة للحصول على شيء من مُتَع هذه الحياة إلا وتراه يحثُّ الخطى لاقتناصها.  وهو لا يفعل ذلك لأنه يريد أن يُفرِّط في الثواب الأخروي، ولكنه ينظر إليه على أنه أمرٌ آجل ويَحْتَمِل الانتظار.  أما المتعة الدنيوية فإنها عاجلة، وإن لم يستفد منها فإنها ستُولِّي عنه.

أما الخصلة الثانية التي عند الإنسان، والتي تجعله يقبل على الدنيا وينسى الآخرة، هي طول الأمل؛ حيث إنه يريد أن يُعِدَّ العُدَّة للدار الآخرة، ولكن يرى أنه ما زال عنده فسحة من العمر، وهذا يعني أنه يمكنه أن يقوم بالاستعداد للآخرة في أيِّ وقت فيما بقي من عمره من سنين.  وقد حكى- سبحانه- عن هؤلاء بقوله: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ (الحِجر: 3).

وهذا النوع من طول الأمل يجعل الإنسان يحسب أن العمر طويل ولا يقصُر، وأن السنين عديدة ولا تنقضي.  لذلك، فهو كلما أتى عليه يومٌ يرى أن فسحة العمر ما زالت ممتدة؛ وأنه لم يذهب من عمره إلا يومٌ واحد فقط، ويحسب أن عمره قد بقي على حاله، وأنه لم يخسر إلا اليوم السابق، مع أن حقيقة الأمر أنه خسر من جانبين: خسر يومًا من أيامه الباقية، وخسر يومًا من أيامه السابقة، فلا استفاد لا من هذا ولا من ذاك.

ومن أهم أسباب تهافت الناس على الدنيا هو الغفلة؛ فغالبية الناس لا يفكرون لا فيما مضى من أعمارهم، ولا فيما بقي، ولا فيما عملوا، ولا فيما فرَّطوا، وإنما الحياة بالنسبة لهم بمثابة قطار يسير، فهم ينتقلون من مشهد إلى مشهد آخر، دون أن يكون هنالك أيُّ انقطاع للمشاهد.

الموت خير واعظ

ومن أهم العوامل التي تعين الإنسان على انتشال النفس من هذه الغفلة هو تذكيرها بالموت؛ فعندما يتذكر الإنسان الموت يبدأ في مراجعة حساباته، ويعلم عندها حقيقة إن كان مقصرًا أم لا، ولا يتهم العاقل نفسه إلا بالتقصير.  وقد قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- عن هذه الحقيقة: (( كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا )).

لكن البعض ينظر إلى تذكُّر الموت، وإلى محاسبة النفس على التقصير وما فرَّطت فيه من الفُرَص على أنه نوع من التشاؤم.  لكن التشاؤم- في حقيقته- هو تذكُّر الموت وأسبابه دون أن يكون هناك هدف مفيد من وراء ذلك، كأن يتذكر الإنسان الموت، ويرى بأن الأموال التي قد شقي كثيرًا على جمعها في حياته ستذهب إلى ورثته، وهو لا يريد ذلك، ولذا يصاب بهَمٍّ وغمٍّ، وربما أفضى به الأمر إلى أن يعقد العزم على حرمان ورثته من تلك الأموال.

أو قد يفكر الإنسان فيما انتشر بين الناس من أمراض، ويحسب أنه قد يصاب بشيء منها، وقد تجرُّ عليه الويلات والعذاب، ولذا تراه متخوِّفًا ومتشائمًا من مستقبله.  ومثل هذا النوع من التفكُّر في الموت ليس له هدف في محاسبة النفس على التقصير ودفعها على العمل، وإنما يفضي بصاحبه- في كثيرٍ من الأحوال- إلى الإصابة بالأمراض النفسية كالاكتئاب والقلق.

وهناك من الناس من يقول بأنه يتذكر الموت دائمًا، ولكن لا يُرى لذلك الفعل أيُّ أثرٍ في حياته.  وحقيقة الأمر أن ذلك الشخص يتذكر الموت بلسانه وليس بمشاعره وأحاسيسه؛ فالإنسان عندما يستشعر حقيقة مجيء الموت، فإن ذلك يدفعه على الفور إلى محاسبة نفسه.

مثلًا، لو ركب إنسانٌ الطائرة، ومرَّت الطائرة على مطبات هوائية، وبدأت تهوي بشدة، فإن الإنسان في تلك اللحظات سيحسُّ بأنه- لا محالة- ميِّت، ويبدأ في تذكر أعماله السابقة، وما قصَّر فيها من أمور، ويبدأ في التضرُّع إلى مولاه، ويعطيه المواثيق والعهود من أنه إن أنجاه من ذلك الكرب، فإنه سيعود إليه ويُجبِر ما قصَّر فيه من أعمال.  ﴿ قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ (الأنعام: 63).

كذلك، فلو تعرَّض الإنسان مثلًا لحادث سَيْر، فإنه في اللحظات التي يرى أن سيارته سترتطم بجدار أو بسيارة أخرى فإنه يدرك في تلك اللحظات أنه ميت لا محالة، وتنتابه في تلك اللحظات القصيرة مشاعر الخوف مما ينتظره من مصير، وخاصة عندما ينظر وراءه فيرى أنه قد قصَّر في حياته كثيرًا.

ويمكن أن تحدث تلك المشاعر لمن يصاب بمرض خطير، ويرى أن أيامه معدودة وأنه لا محالة ميت، ولذا فإنه يحاول عندها أن يُحسِّن من أفعاله وأقواله ومعتقداته فيما بقي من عمره من أيام.

الغفلة وعلاجها

من هذه الأمثلة ندرك أن ما نقصده بالغفلة هو اشتغال القلب عن حقيقة تذكُّر قيام الساعة، وما فيها من أهوال، وما يسبقها من سكرات الموت وعذاب القبر، وما يعقبها من حساب وعقاب.

لكن غالبية الناس لا يستشعرون مثل هذه الأمور لأنهم لم يشاهدوها ولم يجربوها، وإنما قرأوا عنها أو أُخبِروا، وبحسب طريقة التصوير لمنازل الآخرة يرتبط الإنسان شعوريًّا بتلك المرحلة.

وما يمكن أن يقوم به الإنسان لعلاج تلك الغفلة هو أن يُكثِر من تذكر الموت والآخرة، ويُكثِر من محاسبة النفس، حتى وإن كان لا يشعر بأي تغيير في أحاسيسه ومشاعره عندما يقوم بذلك، فإن كثرة ترداد تلك الأمور يولِّد شعورًا بالخوف يجعل الإنسان يعايش ما يتذكره.

وقد يكون الابتلاء بالمصائب أرحم للعبد وأنفع له في دنياه وأخراه من الابتلاء بالنعم؛ فالإنسان إن ابتلاه الله بمصيبة، فإنه- في الغالب- ينكسر قلبه، ويتذكر أن له ربًّا فيلجأ إليه بالدعاء والتضرع والصلاة والصدقة.  كذلك فإن الناس يتعاطفون مع المصاب ويدعون الله له في ظهر الغيب، وإن حضروا عنده ذكَّروه بالله.  كل هذه الأمور تجعل المصاب موصولًا بخالقه، وهذا ما يحبه الرب من عبده.

أما من ابتلاه الله بنعمة فإنه قد يشتغل بها فينسى واهبَها، وقد لا يؤدي حقها من الشكر، وقد لا يؤدي زكاتها لعباد الله.  كذلك، فإن الناس قد يحسدونه فتتنافر القلوب وربما أدَّت إلى أفعال بشعة كالقتل أو السرقة أو غير ذلك.

لذا، فإن المؤمن الكيِّس هو مَن يُحسِن الاستفادة من المصائب والنِّعَم؛ فيقابل المصائب بالصبر والتضرُّع إلى الله، ويقابل النِّعم بالشُّكر والاعتراف للخالق بالمنَّة والفضل.  كل هذا يجعل الإنسان موصولًا على الدوام بخالقه مما يعالج عنده الغفلة وقسوة القلب.

كذلك، فمما يمكن أن يُعين على تأجيج مشاعر الخوف من الموت والإحساس بقرب الأجل هو الإكثار من قراءة كتب الزهد والرقائق، ففيها من القصص والحِكَم والعظات والعبر ما يهزُّ كيان النفس وأحاسيس القلب، فيجعلهما يعيشان- ولو للحظات قصيرة- نوعًا من الشعور بالخوف والتقصير.

ويمكن أن يستفيد الإنسان أيضًا من أساليب بعض الوعاظ والمحاضرين؛ حيث إن في بعضهم من نبرات الصوت وطريقة العرض لأمور الآخرة ما يجعل الإنسان يعيش تلك اللحظات وكأنه يشاهدها أمام ناظرَيْه.

ومما يعين كثيرًا على تذويب الغفلة وتنبيه النفس إلى مصيرها هو قراءة سِيَر الصالحين، وما حققوه في حياتهم، وما آل إليه مصيرهم.  كذلك، فلا ننسى أن الإكثار من تلاوة كتاب الله وتدبُّر آياته، وقراءة أحاديث رسول- صلى الله عليه وآله وسلم- مما يعين كثيرًا على استحضار اللحظات الأخيرة في هذه الحياة، وبعث مشاعر المحاسبة في النفس.

إذًا، لماذا التهافت على هذه الدنيا؟

الجواب على مثل هذا التساؤل- كما رأينا- ليس بتلك السهولة، بحيث نقول إن الناس مجانين وإلا فلماذا يتخيَّرون ما هو فانٍ وزائل على ما هو باقٍ وخالد؟

إن الأمر ليس مجرد قرار يعزم فيه الإنسان على نبذ هذه الحياة والاهتمام بالدار الآخرة، وإنما الإنسان بحاجة- بالإضافة إلى اتخاذ القرار- إلى عزيمة ومجاهدة وصبر من أجل أن يصل إلى تحقيق أحلامه، وهي رضى الله- سبحانه وتعالى- ودخول الجنة.

وحيث إن الإنسان ليس مخيَّرًا في مواصلة رحلة سفره إلى الدار الآخرة أو قطعها، فعليه أن يشرع للتخطيط لها وجعلها مثار اهتمامه، قبل أن يصل إلى محطاتها الأخيرة وزاده قليل، والحِمل ثقيل، والعقبة كؤود، والناقد بصير.

الدكتور صالح بن مطر الهطالي

﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (المؤمنون: 112 – 114)