أسرار لا حول ولا قوة إلا بالله

0

إنها كلمة؛ لكنها من تحت العرش! وغَرْسٌ وبابٌ؛ لكنْ مِن غِراس الجنة أبوابها! وهي كَنْز؛ لكنَّها من كنوز الجنة! إنها: لا حول ولا قوة إلا بالله.

لا حول ولا قوة إلا بالله، هذه الكلمة وذلكم الذكر العظيم الذي أوصى به النبي -صلى الله عليه وسلم- أكثر من خمسة من أصحابه في أحاديثَ متفرقةٍ، وحثهم على الإكثار منه.

فعَنْ أَبِي مُوسَى الأشعري -رضي الله عنه- لما غزا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خيبر، أو قال: لما توجَّه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أشْرَفَ الناس على وادٍ، فرفعوا أصواتهم بالتكبير: الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلا الله! فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “اربعوا على أنفسكم! إنَّكُم لا تدعون أصَمَّ ولا غائباً، إنكم تدعون سميعا قريبا، وهو معكم“.

وأنا خلف دابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فسمعني وأنا أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله! فقال لي: “يا عبد الله بن قيس”. قلت: لبيك يا رسول الله، قال: “ألا أدلك على كلمة من كنز من كنوز الجنة؟“. قلتُ: بلى يا رسول الله! فداك أبي وأمي! قال: “لا حول ولا قوة إلا بالله” رواه البخاري ومسلم.

وعن حازم بن حرملة قال: مررت برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فدعاني فقال: “ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟: لا حول ولا قوة إلا بالله” رواه ابن ماجة، وصححه الألباني.

وهذا صحابي ثالث يوصيه النبي بالإكثار من لا حول ولا قوة إلا بالله، فعن قيسِ بنِ سعد بن عبادة -رضي الله عنه- أن أباه دفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يخدمه قال: فمَرَّ بي النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد صليت، فضربني برجله وقال: “ألا أدلك على باب من أبواب الجنة؟ قلت: بلى. قال: “لا حول ولا قوة إلا بالله” أخرجه الترمذي وأحمد وإسناده حسن.

وعن أبي ذر الغفاري قال: “أمرني خليلي رسول الله –صلى الله عليه وعلى آله وسلم– بسبع: أمرني بحب المساكين والدنو منهم. وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي, وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني ألا أسأل أحدا شيئا، وأمرني أن أقول بالحق وإن كان مرا، وأمرني ألا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر مِن: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنهن من كنز تحت العرش رواه الحاكم وإسناده صحيح.

قال الإمام النووي -رحمه الله-: قال العلماء: سبب ذلك أنّها كلمةُ اسْتسلامٍ وتفويضٍ إلى الله تعالى، واعْترافٍ بالإذعان له، وأنّه لا صانع غيره، ولا رادّ لأمره، وأنّ العبد لا يملك شيئاً من الأمر، ومعنى الكنْز هنا: أنّه ثواب مدّخر في الجنّة، وهو ثواب نفيس، كما أنّ الكنْزَ أنفسُ أموالكم. وقال أيضاً: هي كلمة استسلام وتفويض، وأن العبد لا يملك من أمره شيئاً، وليس له حيلة في دفع شرٍّ، ولا قوة في جلب خير، إلا بإرادة الله تعالى.

وقال الإمام ابن القيّم -رحمه الله-:” لمّا كان الكنز هو المال النفيس المجتمع الذي يخفى على أكثر النّاس، وكان هذا شأن هذه الكلمة، كانت كنزاً من كنوز الجنة، فأوتيها النبي -صلى الله عليه وسلم- من كنز تحت العرش، وكان قائلها أسلم واستسلم لمن أزمّة الأمور بيديه، وفوّض أمره إليه”.

أيها الإخوة: لا حول ولا قوة إلا بالله، معناها كما جاء في حديث صحَّحَه بعضهم: “لا تحول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله“.

وقال ابن رجب -رحمه الله- فإنّ المعنى: لا تحوّل للعبد من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إلاّ بالله، وهذه كلمة عظيمة وهي كنْز من كنوز الجنّة.

لا حول ولا قوة إلا بالله: كلمة استعانة وتوكل؛ ولذا نجد الشرع أوصى بذكرها في مواضع الاستعانة بالله -سبحانه وتعالى-، فعندما تهم بأداء الصلاة وتسمع النداء لها بــــ: حَيَّ على الصلاةِ، حي على الفلاح، وتريد أن يعينك تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.

وهنا يبشرنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- ببشرى عظيمة، قال: “إذا قال المؤذن: الله أكبر فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر. ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله. قال: أشهد أن لا إله إلا الله. ثم قال: أشهد أن محمدا رسول الله. قال: أشهد أن محمدا رسول الله. ثم قال: حي على الصلاة. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: حي على الفلاح. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: الله أكبر الله أكبر. قال: الله أكبر الله أكبر. ثم قال: لا إله إلا الله. قال: لا إله إلا الله، من قلبه، دخل الجنةرواه مسلم.

أحبتي: إذا خرج الرجل من بيته فهو مدعو للاستعانة بالله، ولـــ لا حول ولا قوة إلا بالله تأثير في حفظ المسلم عجيب، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله“. قال: يقال حينئذ: هُدِيتَ ووُقِيتَ وكُفِيتَ، فتتنحى له الشياطين، فيقول شيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي؟ رواه أبو داود واللفظ له والترمذي وصححه الألباني.

وهذه الكلمة العظيمة، لا حول ولا قوة إلا بالله، مع جملة من الأذكار، ذكرُها سببٌ في قبولِ الدعاءِ، وقبولِ صلاةِ الليلِ، فعن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “مَن تعارَّ مِن الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا، استجيب له، فإن توضأ وصلَّى قُبِلَتْ صلاتُهُ” رواه البخاري.

ثم إن هذه الكلمة سبب في مغفرة الذنوب وإن كانت كثيرة، فعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ما على الأرض أحد يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، إلا كفرت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر” رواه الترمذي وحسنه هو والألباني.

لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ“، أيها الإخوة، من الباقيات الصالحات التي قال الله -سبحانه- عنها: )الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً (الكهف:46، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رضي الله عنه- قَالَ: “اسْتَكْثِرُوا مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ“، قِيلَ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: “التَّكْبِيرُ، وَالتَّهْلِيلُ، وَالتَّسْبِيحُ، وَالتَّحْمِيدُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ“. ومعنى: استكثروا من الباقيات الصالحات، أي من الكلمات التي تبقي لصاحبها من حيث الجزاء.

قال ابن القيّم -رحمه الله-: هذه الكلمة -يعني: لا حول ولا قوة إلا بالله- لها تأثير عجيب في معاناة الأشغال الصعبة، وتحمُّل المشاق، والدخول على الملوكِ ومن يُخاف، وركوب الأهوال، ولها أيضاً تأثير عجيب في دفع الفقر.

وبيّن -رحمه الله- في زاد المعاد: أنّ لهذه الكلمة تأثيراً قوياً في دفع داء الهم والغم والحزن؛ لما فيها من كمال التفويض والتبري من الحول والقوة إلاّ به، وتسليم الأمر كلّه له، وعدم منازعته في شيء منه، وعموم ذلك لكل تحوّل من حال إلى حال في العالم العلوي والسفلي والقوة على ذلك التحول، وأنّ ذلك بالله وحده… ولها تأثير عجيب في طرد الشيطان.

وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-: هذه الكلمة بها تُحمَل الأثقال، وتكابد الأهوال، وينال رفيع الأحوال.

قال ابن القيم: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر أثراً في هذا الباب، يقول: إن الملائكة لما أمروا بحمل العرش استعظموا ذلك، فقال الله لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما قالوها حملوه. ولقد لمستُ أثرها شخصيا في كثير من المواقف في عملي وحياتي الخاصة.

وقال شيخ الإسلام: هذه الكلمة كلمة استعانة، لا كلمة اسْترجاع، وكثير من النّاس يقولها عند المصائب بمنزلة الاسترجاع، ويقولها جزعاً لا صبراً.

وقال شيخنا ابن عثيمين -رحمه الله-: وليست هذه الكلمة كلمة استرجاع كما يفعله كثير من الناس إذا قيل له: حصلت المصيبة الفلانية، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ولكن كلمة الاسترجاع أن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون؛ أما هذه الكلمة فهي كلمة استعانة، إذا أردت أن يعينك الله على شيء فقل: لا حول ولا قوة إلا بالله.

أيها الأحبة: فلنكثر من هذا الذكر العظيم: لا حول ولا قوة إلا بالله، ومعناها: لا تحول للعبد من حال إلى حال , ولا قوة له على ذلك إلا بالله، فلا تحول للعبد من الذل إلى العزة إلا بالله، ولا تحول من المعصية إلى الطاعة إلا بالله، ولا تحول من المرض إلى الشفاء إلا بالله، ولا تحول من الفقر إلى الغنى إلا بالله، ولا تحول من العزوبة إلى الزواج إلا بالله، ولا تحول من الفشل إلى النجاح إلا بالله، ولا تحول من الهزيمة إلى النصر إلا بالله، ولا قوة إلا بالله.

أي: ولا يعينك على كل هذه التحولات إلا الله، فإن أعياك الذل لغير الله فأكثِرْ من قول لا حول ولا قوة إلا بالله, واضمر هذا المعنى في قلبك خاصة أثناء التلفظ به، واحرص على تواطؤ قلبك مع لسانك، والله المستعان, وعليه التكلان, ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 الشيخ : عبد الله بن علي الطريف